القاضي النعمان المغربي

37

المناقب والمثالب

وكان هاشم أول من أمّن سبل مكة ، وذلك أن قريشا كانوا تجارا ، ولم تكن تجارتهم تجاوز مكة ، ولا يخرجون منها حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام ، فنزل بقيصر وكان يذبح كل يوم شاة ويضع جفنة ثريد ، ويدعو من حوله فيأكلون ، وكان من أحسن الناس غصنا وأجملهم ، فذكروا أمره لقيصر فدعاه ، فلمّا رآه أعجب به وخصّه وأدناه وحسنت منزلته عنده ، فقال له هاشم : أيها الملك إن لي قوما وهم تجار العرب ، فإن رأيت أن تكتب لهم كتابا بالأمان تؤمنهم وتؤمن تجارتهم ، فيقدمون عليك بما تستطرفه من أدم الحجاز وثيابه فيبيعونها عندك . فكتب له كتابا بالأمان لمن أتى منهم . وأقبل هاشم بذلك الكتاب ، فجعل كلما مرّ بحي من أحياء العرب على طريق الشام ، واقفهم على أن قريشا تحمل لهم البضائع ، فيكفونهم حملها ويردون إليهم رؤوس أموالهم وربحهم ، فذلك الإيلاف ، وأخذ هاشم الإيلاف لمن بينه وبين الشام ، حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء ما أتوا به قط بركة ، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوز بهم ويوفيهم الإيلاف الذي أخذ لهم من العرب ، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام ، ومات في تلك السفرة بغزة من أرض الشام « 1 » . ففي ذلك يقول مطرود الخزاعي ونظر إلى رجل كان نازلا في بني سهم ببنيات له وامرأة في مسغبة شديدة ، فحولوه وأمروه أن ينتقل عنهم ، فخرج يحمل متاعه وولده وخرج بامرأته لا يأويه أحد ، فقال مطرود : يا أيها الرجل المحول رحله * هلّا حللت بآل عبد مناف

--> - إلى ابن الزبعرى . ( 1 ) - تاريخ اليعقوبي : 1 / 243 ، المنمق للبغدادي : 43 ، شرح نهج البلاغة : 15 / 211 ، سبل الهدى : 1 / 268 .